الجمعة. أبريل 3rd, 2020

حالة الاتحاد الروسي.. قراءة في خطاب بوتين

* الخطاب تضمن رؤية غير تقليدية من خلال طرحه للمرة الأولى اقتراحاً بتعديل الدستور الروسي الصادر منذ عام 1993

* غلب على هذا الخطاب منح الأولوية للقضايا الداخلية على حساب القضايا الخارجية، وهو ما يعطي مؤشراً مهماً على الرؤية المستقبلية التي يحملها الرئيس بوتين في سعيه لضمان ترتيب البيت الروسي من الداخل

* ثمة تحول مهم سيشهده النظام السياسي الروسي الذي ظل نظاماً رئاسياً على مدار العقود الماضية حتى قبل الثورة البلشفية وما بعدها مع قيام الاتحاد السوفياتي السابق

* فكرة تغيير طبيعة النظام السياسي من خلال إعادة رسم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يمكن أن تعتبر آلية مناسبة لضمان بقاء المسؤول في المنصب دون الحاجة إلى تعديل الدستور فيما يتعلق بتغيير مدة البقاء المحددة دستورياً

* حرص الرئيس بوتين في خطابه على التأكيد على أولوية القانون الروسي على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تبرمها الدولة الروسية

باكو: لم يكن الخطاب السنوي للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يلقيه أمام الفيدرالية الروسية (مجلسا البرلمان؛ الدوما والاتحاد) مختلفا فحسب في توقيته الذي اعتاد أن يلقيه في شهر فبراير (شباط) من كل عام، وإنما اختلف كذلك في جانبين: الأول، الاختلاف في مضمون الخطاب الذي أثار جملة من القضايا أغلبها يتم طرحه للمرة الأولى، إذ يهدف هذا الخطاب كل عام إلى التعبير عن رؤية رئيس الدولة للتوجهات الاستراتيجية في مجال تنمية روسيا عبر طرح تصورات ومقترحات محددة حول العمل التشريعي لمجلسي البرلمان، وما حدث هذا العام هو أن هذا الخطاب تضمن رؤية غير تقليدية من خلال طرحه للمرة الأولى اقتراحا بتعديل الدستور الروسي الصادر منذ عام 1993. فللمرة الأولى منذ تولى الرئيس بوتين السلطة عام 2000 يتضمن خطابه لحالة الاتحاد مقترحا يتعلق بتعديل الدستور، إذ تضمن خطابه ما نصه: «يطرح عدد من التجمعات السياسية والاجتماعية مسألة اعتماد دستور جديد. أريد أن أجيب على الفور: أعتقد أنه ليست هناك حاجة لهذا، وإمكانات دستور عام 1993 لم يتم استنفاذها بعد، وآمل أن تبقى المبادئ الأساسية للنظام الدستوري وحقوق الإنسان والحريات لعقود أخرى قاعدة شاملة صلبة للمجتمع الروسي… وأنه يتفق مع الطروحات التي تقول إن الدستور الروسي تمت المصادقة عليه قبل ربع قرن، خلال أزمة سياسية داخلية صعبة وأن الوضع تغير جذريا، ولكن لا يوجد الآن صدام مسلح في العاصمة، ولا توجد بؤرة إرهاب دولي في شمال القوقاز. وبغض النظر عن وجود جملة من المسائل الملحة التي لم تُحل، والتي تحدثنا عنها اليوم، فإن الوضع استقر اقتصاديا واجتماعيا». مؤكدا على استجابته للمطالب بإدخال تعديلات دستورية وذلك بقوله: «اليوم في مجتمعنا هناك مطلب واضح للتغيير.. الناس يريدون التنمية، ويسعون إلى التقدم في حياتهم المهنية وتعليمهم ويريدون أن يزدهروا».

أما الجانب الثاني، فيتمثل في الاختلاف في أولوية هذه القضايا، إذ غلب على هذا الخطاب منح الأولوية للقضايا الداخلية على حساب القضايا الخارجية، وهو ما يعطي مؤشرا مهما على الرؤية المستقبلية التي يحملها الرئيس بوتين في سعيه لضمان ترتيب البيت الروسي من الداخل في ظل تصاعد حجم التحديات والتهديدات الخارجية من ناحية، وفي ظل ما حققته الدبلوماسية الروسية خلال الأعوام الماضية من نجاح في إعادة جزء من صورة روسيا عالميا بعد نجاحها في عودة الدور الروسي في بعض الملفات والقضايا العالمية أبرزها الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، فضلا عن تعزيز علاقاتها مع بعض القادة الأوروبيين في ملف الطاقة.

في ضوء ذلك يستعرض هذا التقرير أبرز القضايا التي هيمنت على خطاب حالة الاتحاد الروسي للوقوف على ما يمكن أن تشهده روسيا من تحولات في قادم الأيام، وذلك من خلال محورين:

أولا: روسيا والتحول التدريجي نحو النظام المختلط

في خطوة حملت دلالة كبيرة على أن ثمة تحولا مهما سيشهده النظام السياسي الروسي الذي ظل نظاما رئاسيا على مدار العقود الماضية حتى قبل الثورة البلشفية وما بعدها مع قيام الاتحاد السوفياتي السابق، جاء خطاب الرئيس بوتين هذا العام حاملا رؤية جديدة بشأن مستقبل النظام السياسي عبر دعوته لتعديل الدستور الروسي بمنح البرلمان سلطات أوسع في تشكيل الحكومة، وهو ما يعني أن ثمة تطورا مهما في الحياة السياسية الروسية كما أشار إلى ذلك رئيس الحكومة المستقيل ميدفيديف بقوله: «التعديلات الدستورية ستحدث تغييرات كبيرة في موازين القوى الروسية»، إذ من شأن هذه التعديلات إعادة ترتيب العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من خلال منح سلطات أوسع للبرلمان الروسي (الدوما) في اختيار رئيس الوزراء والوزراء بعدما كان الأمر في يد الرئيس منفردا، حيث أشار الرئيس بوتين إلى ذلك بقوله: «تكليف مجلس الدوما بتعيين رئيس الوزراء ونائب رئيس الوزراء والوزراء… ويفقد الرئيس حقه في رفض رؤساء الوزارات الذين يقرهم مجلس الدوما وسيكون ملزمًا بالموافقة»، كما تشمل هذه التعديلات كذلك منح صلاحيات للمحكمة الدستورية للتحقق من دستورية مشاريع القوانين التي تم تبنيها من جانب البرلمان قبل أن يوقعها رئيس الدولة.
ما سبق يكشف عن أن التعديلات المقترحة من جانب الرئيس بوتين والتي تقتصر على مجال سلطة البرلمان والمحكمة الدستورية بعيدا عما تردد كثيرا حول إقدام الرئيس بوتين على تعديل الدستور من أجل مد فترة بقائه في السلطة إلى ما بعد 2024 تاريخ انتهاء ولايته الرئاسية الحالية والتي يعد مع اكتمالها أطول رئيسا تولى هذا المنصب بعد «جوزيف ستالين»، إلا أن ما تضمنه خطابه في هذا الخصوص لم يتطرق إلى المواد المتعلقة بفترة رئاسته للبلاد بل أكد على ذلك بقوله: «بالنسبة لحقيقة أنه لا يمكن لشخص واحد أن يتولى الرئاسة لفترتين أو أكثر على التوالي… لا أعتقد أن هذه القضية أساسية لكنني موافق»، ليؤكد بذلك على ما سبق أن ذكره في مؤتمر صحافي عقده في 25 مايو (أيار) 2019 بأنه: «ملتزم بالدستور الروسي بشكل صارم وبالتالي لا يعتزم الترشح لفترة رئاسية ثالثة… أنا دوما ألتزم بشكل صارم بدستور روسيا الاتحادية، والدستور ينص بشكل واضح أنه لا يمكن الترشح لأكثر من مرتين متتاليتين.. والآن دخلت الفترة الثانية، وكما تذكرون سبق أن كنت رئيسا لمرتين قبل ذلك ومن ثم تركت منصب الرئيس. وذلك لأن الدستور لم يكن يسمح بالترشح لفترة ثالثة، وأعتزم الالتزام بهذه القاعدة في المستقبل». كما ينفي بهذا الخطاب كذلك التوقعات بأن يعيد الرئيس بوتين لعبة تباعد الكراسي التي تمت عام 2008 مع رئيس الوزراء الروسي السابق آنذاك ميدفيديف حينما تبادل كل منهما موقع الآخر بين منصبي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، لأن هذه اللعبة لم تعد ملائمة لأنها تعني أن يعود الرئيس بوتين إلى الحكم عام 2030 وقد بلغ من العمر ثمانية وسبعين عاما وهو ما سبق أن رفضه بوتين بقوله: «ماذا سأفعل، هل أبقى حتى أبلغ من العمر 100 عام؟ لا».
ولذا، فقد حرص الرئيس بوتين على حسم القضية حينما سُئل خلال لقائه مع مقاتلين سابقين في الحرب العالمية الثانية في مسقط رأسه بسان بطرسبورغ، عما إذا كان من الممكن أن يفكر في إلغاء القيود على الولاية الرئاسية في الدستور وبدا أنه يرفض هذه الفكرة، حيث أكد على أنه: «برأيي، ستكون مقلقة جدًا العودة إلى الوضع الذي كان سائدًا في منتصف الثمانينات، عندما كان القادة يبقون في الحكم حتى آخر أيامهم ويرحلون من دون التأكد من إقامة الشروط الضرورية لانتقال السلطة… إذن أشكركم جدًا لكنني أعتقد أنه من الأفضل عدم العودة إلى الوضع الذي كان سائدًا في منتصف الثمانينات».
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن فكرة تغيير طبيعة النظام السياسي من خلال إعادة رسم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية يمكن أن تعتبر آلية مناسبة لضمان بقاء المسؤول في المنصب دون الحاجة إلى تعديل الدستور فيما يتعلق بتغيير مدة البقاء المحددة دستوريا، حيث يثير تغيير مدة البقاء دوما تحفظات وانتقادات شديدة، في حين لا تلقى التعديلات الدستورية لإضفاء تغيير على طبيعة النظام السياسي ذات الانتقادات، ولعل ما جرى في تركيا مؤخرا في تحولها من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي لضمان بقاء الرئيس التركي «رجب طيب إردوغان» أعطت نموذجا سابقا على هذا التغيير. صحيح أن الأمر لم ينطل على كثير من المراقبين في أنها محاولة التفافية على النص الدستورى الذي يمنع من البقاء في المنصب لفترتين متتاليتين، إلا أنها تبقى آلية أقل حدة من تغيير النص الدستوري للبقاء في المنصب ما بعد الفترتين.
ولكن يبقى تساؤل مهم بشأن مدى ملاءمة هذا التغيير لطبيعة الدولة، بمعنى أكثر وضوحا إلى أي مدى يمكن أن ينجح النظام البرلماني في الدولة الروسية؟ والإجابة على هذا التساؤل تتوقف على عاملين مهمين:
– الأول، طبيعة التحول، بمعنى هل هو تحول كامل نحو النظام البرلماني كما هو الحال في النظم البرلمانية (بريطانيا على سبيل المثال) أم إنه تحول جزئي بحيث يظل يجمع النظام السياسي بين ملامح النظام الرئاسي وملامح النظام البرلماني أو ما يطلق عليه في النظم السياسية (النظام المختلط) كما هو الحال في النظام السياسي الفرنسي؟ والواقع أن المؤشرات تؤكد على أن التوجه الروسي سيكون أقرب إلى النظام المختلط، يؤكد على ذلك ما ذكره الرئيس بوتين بقوله: «يجب أن تظل روسيا جمهورية رئاسية قوية… يجب أن يظل الرئيس في سيطرة مباشرة على القوات المسلحة ونظام إنفاذ القانون بأكمله»، وهو ما يعني تقاسم السلطة بين البرلمان والحكومة التي سيتم اختيارها وبين رئيس الدولة التي ستتقلص بعض صلاحياته ونقلها إلى البرلمان والحكومة الممثلة عنه.
– الثاني، شكل الحكومة التي يختارها البرلمان، هل ستكون حكومة برلمانية بمعنى أن يتم اختيارها من الأعضاء في البرلمان أما إن البرلمان سيختار حكومة من غير أعضائه؟ إذ لكل خيار من هذه الخيارات مزاياه وعيوبه التي يمكن أن تؤثر سلبا على الاستقرار السياسي الذي نجح الرئيس بوتين في تحقيقه على مدار العشرين عاما الماضية منذ وصوله إلى الحكم عام 2000.
ولكن في ضوء التغييرات المزمع إجراؤها، من المتوقع أن يتولى الرئيس بوتين رئاسة الحكومة ما بعد عام 2024 في ظل صلاحيات دستورية نقلت إليها بموجب التعديلات الدستورية المقترحة، يدلل على ذلك اختياره «ميخائيل ميشوستين» رئيس هيئة الضرائب الفيدرالية الروسية رئيسا للوزراء خلفا لرئيس الوزراء «ميدفيديف» الذي أعلن استقالة حكومته فور الخطاب الرئاسي متوليا منصبا جديدا، وهو نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي الذي يترأسه الرئيس بوتين، وكما هو معلوم فإن «ميشوستين» لا يملك مشروعا سياسيا بل لم يسبق أن لعب دورا سياسيا من قبل وغير معروف للرأي العام الروسي، وهو ما يعني أن توليه هذا المنصب إنما هو لفترة انتقالية بهدف ترتيب الأوضاع الداخلية على غرار السوابق مع تولي مرشحين مشابهين مثل زوبكوف وفرادكوف قاموا بدورهم لفترة قصيرة وتم استبدالهم بعد تحقيق التوازن المطلوب، وهو الأمر المقترح حدوثه ما بعد التغييرات المطلوبة وترتيب الأوراق والملفات، ليعود بوتين رئيسا للوزراء بسلطات جديدة. ومن ثم، يصبح من الأهمية بمكان أن يضع الرئيس بوتين خلال توليه منصبه الجديد رئيسا للوزراء الآليات والضوابط الضامنة لاستقرار العمل السياسي وتنظيمه بين السلطتين الرئاسية والتنفيذية بعدما انتقل جزء من صلاحيات الرئيس وسلطاته إلى الحكومة التي يختارها البرلمان.
ولا شك أن كل هذه التساؤلات ستكون محل نظر أمام اللجنة التي شكلها الرئيس بوتين لإعداد مقترحات حول إجراء التعديلات الدستورية، والتي تضم كلا من رئيس لجنة التشريع الدستوري وبناء الدولة لمجلس الاتحاد الروسي أندريه كليشاس، ورئيس لجنة مجلس الدوما لشؤون بناء الدولة والتشريع بافيل كراشينينيكوف، ومديرة معهد التشريع وعلم القانون لدى الحكومة الروسية تاليا خابرييفا رؤساء مشتركين لفريق العمل الذي سيضم أكثر من 70 شخصية بينهم نشطاء مجتمع ومشرعون وعلماء وموسيقيون وفنانون ورياضيون.

ثانياً: قضايا داخلية تمثل مرتكزات بناء الجمهورية الثانية

إذا كان صحيحا أن قضية التعديلات الدستورية التي اقترحها بوتين في خطابه قد حظيت بالاهتمام الأكبر إلا أنه من الصحيح كذلك أن ثمة مجموعة من القضايا تضمنها الخطاب استوجبت إلقاء المزيد من الضوء نظرا لأهميتها كذلك في تحديد توجهات الدولة الروسية، من أبرزها:

 – ضوابط الترشح لمنصب رئيس الجمهورية والمناصب السياسية المهمة، إذ تضمن الخطاب الرئاسي التشدد بشأن الشروط الواجب توافرها في الترشح للمناصب السياسية (أعضاء البرلمان ورئاسة الوزراء والوزراء والقضاة)، وذلك بقوله: «من الضروري توسيع نطاق متطلبات الأشخاص الذين يشغلون مناصب عامة رائدة؛ من بينهم: أعضاء مجلس الدوما ومجلس الاتحاد والوزراء والقضاة، لن يكونوا قادرين على الحصول على الجنسية الأجنبية، وكذلك أي وثيقة أخرى تسمح لهم بالإقامة الدائمة في بلد آخر»، مضيفا شرطا خاصا فيمن يترشح لرئاسة الجمهورية وهو ضمان: «الإقامة في روسيا لمدة 25 عامًا على الأقل مع عدم وجود تصريح إقامة له في دول أخرى في وقت سابق على ترشحه».

 – القضية السكانية ومخاطر التنمية، لم تغب القضية السكانية المتمثلة في تناقص عدد سكان روسيا عن ذهن الرئيس بوتين الذي اعتبرها تحديا تاريخيا بقوله: «إن الوضع الديموغرافي صعب جدا… واجبنا التاريخي هو الرد على هذا التحدي»، إذ كشفت الإحصاءات الرسمية عن أن عدد السكان البالغ 147 مليون نسمة تناقص خلال عام 2018 بمقدار 86 ألف نسمة. وقد اقترح الرئيس بوتين في سبيل مواجهة ذلك حزمة من الإجراءات لزيادة معدل الإنجاب بلغت تكلفتها 6.5 مليار دولار خلال عام 2020. تمثلت فيما يأتي: «تخصيص مدفوعات للأسر محدودة الدخل التي تضم أطفالا صغارا، وإعانات لمن أصبحن أمهات للمرة الأولى، ومدفوعات أعلى للأسر التي تضم عددا أكبر من الأطفال وإتاحة المزيد من الأماكن في دور رياض الأطفال».

 – تحسين مستوى دخل المواطنين، حيث اقترح الرئيس بوتين إدخال فقرة جديدة إلى الدستور الروسي تنص بوضوح على أن قيمة الأجور الشهرية لا يجوز أن تكون أدنى من المستوى المعيشي، وفقرة أخرى تضمن تعديل المعاشات التقاعدية لتكون بقيمة تتناسب مع الوضع الراهن اقتصاديا ومعيشيًا. ولتحقيق ذلك أكد الرئيس على أنه لا بد من إجراء: «تغييرات بنيوية ضرورية في الاقتصاد الوطني، وزيادة فعاليته، وهو ما يتطلب دورة استثمارية جديدة في جميع المجالات، من خلال ضرورة العمل على زيادة حجم الاستثمارات من 21 في المائة حاليًا، حتى 25 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي عام 2024».

 – أولوية القانون الداخلي والسيادة الروسية، إذ حرص الرئيس بوتين في خطابه على التأكيد على أولوية القانون الروسي على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تبرمها الدولة الروسية، وذلك بقوله: «هناك حاجة إلى توحيد بعض الأحكام التي تحدد بشكل مباشر أولوية الدستور الروسي في الفضاء القانوني لدينا، هذا يضمن استقلال الدولة»، وهو ما يعطي مؤشرا مهما عن توجه موسكو خلال الفترة القادمة لفتح مجالات أوسع من التعاون مع المؤسسات الدولية بهدف تقليص تأثيرات العقوبات الغربية المفروضة على روسيا، ولكن الإقدام على هذه الخطوة يحتاج إلى جهد يصون سيادة الدولة وإرادتها في ظل هذا الانفتاح أو التعاون، وهو ما أشار إليه الرئيس بوتين صراحة بقوله: «يجب أن تكون سيادة شعبنا غير مشروطة. لقد فعلنا الكثير من أجل هذا… لقد استعدنا وحدة البلاد، وتم وضع حد للوضع عندما تم اغتصاب بعض وظائف الدولة والسلطة من قبل البعض، وعادت روسيا إلى السياسة الدولية». ويذكر أن روسيا ليست هي الحالة الأولى في هذا الخصوص، بل وكما ذكر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في كلمة ألقاها خلال زيارته إلى طشقند أمام طلاب فرع معهد العلاقات الدولية الروسي بأن روسيا: «ليس وضعا فريدا، فهناك قواعد قانونية مماثلة تطبق في الدول الغربية، بما فيها ألمانيا وبريطانيا… أما الولايات المتحدة، فلديها نص مكتوب يقول إن القانون الدولي هو أمر ثانوي للغاية، وهم يعاملونه هكذا من الناحية العملية».

 – مكانة السلاح الروسي عالميا وضمانات الأمن القومي، إذ أشار الرئيس بوتين إلى ذلك بقوله: «دعوني أشدد على أنه ولأول مرة في تاريخ الصواريخ والسلاح النووي الروسي، والذي يشمل فترة الاتحاد السوفياتي والتاريخ الحاضر، أننا لا نلاحق بركب أي شخص وعلى العكس من ذلك، ستستمر الدول الرائدة في العالم بتطوير أسلحتها والتي أصبحت روسيا بالفعل تمتلكها»، مؤكدا على أن ريادة التسلح لا تهدد أحدا وإنما هدفها هو حماية الأمن القومي الروسي وذلك بقوله: «إننا لا نخيف أحدا، كما أننا لا نسعى لفرض وصايتنا، وفي نفس الوقت، أضمن لكل شخص أن الإجراءات التي اتخذناها لتعزيز الأمن القومي اتخذت في وقتها وبقدر كافٍ». وفي الوقت ذاته أكد الرئيس بوتين على ضرورة الاستمرار على هذا النهج وذلك بقوله إنه: «من المهم جدا المضي قدما بانتباه، فضلا عن مراقبة وتحليل كل ما يحدث في هذا المجال من العالم وتطوير الأنظمة القتالية المعقدة وأنظمة الجيل المستقبلي وهذا ما نفعله الآن».

نهاية القول إن خطاب حالة الاتحاد الروسي الذي ألقاه الرئيس فلاديمير بوتين هذا العام (2020) رغم ما حمله من توجهات مستقبلية في كيفية إعادة ترتيب البيت الروسي من الداخل عبر إعادة تنظيم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية من خلال التوجه نحو نظام سياسي مختلط، يدفعنا إلى القول إن بوتين بعدما أعاد جزءا مهما من الدور الروسي عالميا وإقليميا لتصحيح ما سماه «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين»، وهي انهيار الاتحاد السوفياتي، اتجه نحو بناء الجمهورية الثانية للدولة الروسية على أسس تحترم الإرادة الشعبية.

كما أشار إلى ذلك صراحة في خطابه بقوله: «لن نكون قادرين على بناء روسيا قوية مزدهرة إلا على أساس احترام الرأي العام.. سنعمل معًا على تغيير الحياة نحو الأفضل»، ولذا كان من المنطقي إيلاء اهتمام إلى المؤسسات المنتخبة وعلى رأسها البرلمان المعبر عن هذه الإرادة، بل ذهب الرئيس بوتين مدى أبعد حينما أكد على حق الشعب في التصويت على الاستفتاء على التعديلات الدستورية المقترحة رغم إمكانية إقرارها من جانب البرلمان.

 كما أشار إلى ذلك الناطق باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، بأن: «التصويت على التعديلات الدستورية المقترحة سيتم داخل المؤسسات الدستورية ذات الصلة»، إلا أن الرئيس بوتين أكد حرصه على أن يشارك الشعب برأيه في التعديلات من خلال الاستفتاء وذلك بقوله: «التعديلات لا تؤثر على الأسس الأساسية للدستور، مما يعني أنه يمكن تبنيها من قبل البرلمان. ولكن نظرًا لأن هذه تغييرات مهمة في النظام السياسي، فقد اعتبر أنه من حق المواطنين التصويت على مجموعة التغييرات بالكامل واتخاذ القرارات فقط بناءً على نتائج التصويت»، وهو ما يسهم بدوره في تقديم صورة مغايرة لروسيا نحو توسيع المساحة الديمقراطية في النظام السياسي بما يمهد لمرحلة جديدة ستلعبها موسكو في الساحة الدولية، تتطلب تغييرات داخلية أراد بوتين أن يعيد ترتيبها قبل حلول توقيتها بعد أربع سنوات، وهو ما أشار إليه رئيس الوزراء المستقيل ميدفيديف بقوله: «يجب أن نوفر لرئيس بلادنا فرصة اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لتنفيذ التغييرات.. وجميع القرارات الأخرى سيتخذها الرئيس».

المصدر: المجلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

UnknownEnglish