الثلاثاء. ديسمبر 10th, 2019

مركز”الحضارة”.. منارة مضيئة لنشر اللغة العربية في تتارستان- روسيا

خاص موقع روسيا بالعربي
د.علي صالح الخلاقي:

الزائر العربي إلى مدينة “قازان” عاصمة جمهورية تتارستان في روسيا الاتحادية، خاصة أن كانت رحتله ذات صلة بالعمل الأكاديمي أو السياحة الثقافية، لا بد له أن يتعرف على أهم مؤسسة لها صلة بلغة الضاد وبنشر الثقافة العربية الإسلامية هنا والتي تعود جذورها الحضارية إلى القرن الرابع الهجري حينما وصل الإسلام إلى هذه البلاد القصية..أنه مركز الثقافة العربية “الحضارة” الذي أصبح حضوره قوياً وفاعلا ويشار إليه بالبنان في المشهد الثقافي والعلمي في “قازان”، بل ويمتد نشاطه إلى مناطق روسية أخرى وإلى بعض البلدان العربية، رغم عمره القصير نسبياً، إذ سيكمل العقدين من الزمن في العام القادم، فقد جاء تأسيسه بمبادرة من الرئيس السابق لجمهورية تتارستان منتيمير شايمييف في 12مايو1999م في إطار المجلس العلمي في المعهد الإقليمي الحكومي التتاري في مدينة قازان. وللأهمية الكبيرة المتوخاة من تأسيس المركز كان من بين المؤسسين إدارة العلاقات الخارجية في رئاسة جمهورية تتارستان وأكاديمية علوم جمهورية تتارستان ودائرة العلاقات الخارجية في مجلس محافظ العاصمة “قازان” وغيرهم.

 
ومن اسم المركز نتعرف على الأهداف التي وُضعت له منذ لحظة انشائه، ومن أهمها نشر اللغة العربية وتحديث وسائل تدريسها بجمهورية تتارستان وفي بقية المقاطعات الروسية وتأهيل معلمي اللغة العربية والمترجمين، والتعريف بالأدب والثقافة العربية والاسلامية وتنظيم دورات تطبيقية ورحلات تعريفية وترفييهية للطلاب الدارسين إلى الدول العربية وخلق علاقات صداقة بين الجامعات العربية وجامعات ومعاهد تتارستان وتنظيم الندوات والفعاليات الثقافية والسياحية والتجارية والترجمة من اللغة الروسية أو التتارية إلى العربية أو العكس، وغيرها مما يعزز من الارتباط بالثقافة العربية الإسلامية .
وللتعرف أكثر على نشاطات مركز “الحضارة” لا بد من الاستماع إلى مديره البروفيسور د.محمد صالح العماري، الذي يتسنَّم هذه المسئولية منذ 19 عاما، هي عمر المركز منذ تأسيسه، وهو يعد وبحق الدينمو المحرك له، كما رأيت ذلك بأم العين خلال الأيام التي مكثتها في قازان قريباً منه خلال مشاركتي في المؤتمر الدولي “الإسلام في عالم متعدد الثقافات”، فإلى جانب أداء مهمته كأستاذ لعلم التربية وللغة العربية في جامعة قازان الفيدرالية، فقد كان كأحد المنظمين يتحرك كالنحلة النشطة هنا وهناك خاصة مع المشاركين العرب، وأكبرتُ فيه ديناميكيته في إدارة نشاطات المركز وفي القدرة على تكوين شبكة علاقات واسعة داخلية وخارجية عزَّزت من دور ومكانة مركز “الحضارة”، وسيكون لي حديث خاص عنه لاحقا يفيه بعض حقه.
يقول د.العماري: إن المركز استطاع خلال السنوات المنقضية من عمره أن ينسج علاقات جيدة مع أغلب المؤسسات التعليمية التربوية في تنظيم عملية تدريس اللغة العربية، وقام بإعادة هيكلة وتنظيم تدريس اللغة العربية في المعهد الإقليمي التتاري والمعهد التتاري الحكومي للآداب والعلوم الإنسانية وجامعة التربية الحكومية، حيث يبلغ عدد دارسي اللغة العربية في هذه المؤسسات ما يقارب 2500 طالب وطالبة سنوياً. ولتنشيط وتطوير عمل المركز اتُخِذ في عام 2001م قرار إعادة هيكلته كمنظمة اجتماعية لها نظامها الداخلي وبرنامجها العملي المستقل، وسُجِّل المركز رسميا بديوان التوثيق بوزارة العدل، ويعمل بصورة رسمية في نطاق عاصمة جمهورية تتارستان وفقا لقانون روسيا الاتحادية وجمهورية تتارستان، ومؤسسوه هم نخبة من الشخصيات المعروفة في المجتمع.
ومن أبرز النشاطات التي قام بها المركز خلال قرابة عقدين، تنظيم دورات لتدريس اللغة العربية والثقافة العربية والإسلامية مدتها ثلاث سنوات، وتخرجت منها 18 دفعة، وينتشر الخريجون الآن في مختلف المؤسسات الحكومية والأهلية ليس فقط في نطاق جمهورية تتارستان بل وفي مقاطعات روسية أخرى، وتصل إلى المركز باستمرار رسائل شكر وعرفان لجهود المركز في أعداد تلك الكوادر المؤهلة لتدريس اللغة العربية. ورغم الأعداد الكبيرة الراغبة في دراسة اللغة العربية والتعرف على الثقافة العربية والإسلامية إلا أن المركز وفقاً لإمكانياته المتاحة يقبل فقط من 40 – 60 طالباً سنوياً.
وضمن الأنشطة التطويرية لأداء المركز تم في العام الدراسي 2006/ 2007م فُتح قسمٌ خاص لتدريب خريجي المركز والمعاهد الحكومة الأخرى في اختصاص اللغة العربية لرفع كفاءتهم اللغوية والمعرفية بلغة الضاد وبالحضارة الاسلامية، ومدة الدورة سنة كاملة ليومين إلى ثلاثة أيام أسبوعيا، ويساعد المركز في إعداد برامج تعليم اللغة العربية في العديد من المدارس والمؤسسات التعليمية الأخرى، وكذا الإشراف المباشر على سير عملية تعليم اللغة العربية وتقديم الإرشادات اللازمة عند الضرورة، وتنظيم المسابقات الخاصة في مجال اللغة والثقافة العربية والإسلامية بين جميع الدارسين في المؤسسات التعليمية المختلفة، كما عمل المركز بالتكاتف مع جامعة قازان الفيدرالية على تنظيم وانجاح المؤتمر العلمي “الإسلام في عالم متعدد الثقافات”، وكذا تنظيم ” أولمبياد ” المسابقة الكبرى على مستوى روسيا الإتحادية تحت عنوان “اللغة العربية – الكنز الذي تبحث عنه”.

 
واستطاع المركز أن يوجد علاقات جيدة مع بعض الجامعات في الوطن العربي مثل: جامعة تشرين السورية ، جامعة عين شمس وجامعة القاهرة في مصر، جامعة عبد المالك السعدي في المملكة المغربية، جامعة جرش الأهلية في الأردن، وجامعة عدن في بلادنا.وكان من نتائج هذه العلاقات المثمرة الحصول على العديد من المنح الدراسية القصيرة والطويلة المدى لممارسة وتطبيق اللغة العربية ، منها إرسال مجموعتين خلال سنة واحدة إلى مصر(20 طالباً بكل مجموعة) للدراسة لمدة شهر في جامعة القاهرة بتمويل الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية في وزارة خارجية جمهورية مصر العربية، وثمان دفعات إلى جامعة تشرين بسوريا مدة كل دورة ثلاثة أشهر خلال الأعوام 2001 – 2010م ضمت بمجملها 370 طالب وطالبة ، وثمان دفعات إلى جامعة عبد المالك السعدي في المملكة المغربية من 2011- 2018م ضمت 295 طالباً وطالبة مدة كل دورة 3 أشهر، كما أسسنا نادياً لمحبي اللغة والثقافة العربية يمارس نشاطه في قاعة المركز بصورة منتظمة كل يوم أربعاء لمناقشة مواضيع مختلفة، ويكرس يوم واحد في كل شهر لتناول دولة عربية واحدة من كافة النواحي التاريخية،الثقافية والاقتصادية..الخ. وتحتل فعالية يوم الثقافة العربية-التتارية التي ينظمها المركز مكانة متميزة في برامج المؤسسات التعليمية العليا والمدارس، وتبدأ أولاً في كل مؤسسة على حدة ثم على مستوى العاصمة قازان، وتشمل على مسابقات في تحديد مستوى اللغة والثقافة العربية والإسلامية وفي المجلات الحائطية وفي إعداد وجبات الطعام (الطبخ العربي) وعرض الأزياء والفنون الشعبية العربية، وتحظى هذه الفعاليات برعاية من دائرة العلاقات الخارجية في رئاسة الجمهورية، ورئيس جامعة قازان الفيدرالية ومدير مركز الثقافة العربية ” الحضارة”، ويتم تمويلها من المؤسسات التعليمية المشاركة. وفضلا عن ذلك ينظم مركزنا بعض الرحلات الصيفية للدارسين وتقديم وجبات الافطار في شهر رمضان الكريم، والمساهمة في أحياء أفراح عيدي الفطر والأضحى وغير ذلك من النشاطات الأخرى.
ويحظى المركز برعاية كريمة ودعم غير محدود منذ لحظة تأسيسه من قبل الجهات الرسمية والهيئات والجمعيات الثقافية في جمهورية تتارستان ،وبشكل خاص دائرة العلاقات الخارجية في رئاسة الجمهورية وأكاديمية علوم جمهورية تتارسان وإدارة العلاقات الثقافية في مكتب محافظ العاصمة قازان وجامعة قازان الفيدرالية ممثلة بمعهد العلاقات الدولية ومكتب العلاقات الخارجية للجامعة، وله علاقات مباشرة مع أغلب المدارس والمؤسسات التعليمية العليا التي تعني بتدريس اللغة العربية، كما يرتبط بعلاقات وتواصل مع المراكز المماثلة مثل: المركز الثقافي التركي، والمركز الثقافي الياباني، والمركز الثقافي الفرنسي.
هذا غَيْضٌ من فَيْض نشاطات المركز الثقافي العربي “الحضارة” التي لخصها لنا د.العماري.
ختاماً نتوجه بتحية تقدير للقائمين على مركز “الحضارة” الذي يمثل منارة مضيئة لنشر لغة الضاد لغير الناطقين بها والتعريف بالثقافة العربية والحضارة الإسلامية، ونتمنى أن تنفتح له آفاق رحبة في أكثر من بلد عربي لمساعدته في أداء رسالته النبيلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

UnknownEnglish